حسن الأمين
53
مستدركات أعيان الشيعة
الحفر في أنقاض منازل بالكوفة منذ قرنين من الزمان فقد كان أشبه بالقبو ، بعيدا عن الأعين ، فيه قليل من الأثاث ، منضدة ، وقوارير ، وموقد ، وأفران ، وهاون إلى جانب كثير من الأدوات من ماشق ( ماسك ) ، وملعقة ، ومقراض ، ومرجل ، ومبرد ، وقمع ، ومنجل ، وراووق من خيش ( مصفاة ) ، وكرة معدنية تستعمل للسحق ، وأحواض ، ومكسر ، وسفنجة ، وآلة تكليس ، وميزان ، واجهزة تقطير ، وبصلة ، وقطارة ، وأنبيق ، وغيرها مما يقرب من أربعين جهازا وأداة . مصطلحات العرب القديمة ولا بد للدارس ان يلم بالمصطلحات التي كان يستعملها أمثال جابر والرازي في ذلك العصر للحضارة العلمية الإسلامية مثل الجواهر ، والأجساد أو المعادن ، والأرواح ، والأملاح والزاجات ( بلورات ) ، وشب الألومنيوم ، وشب البوتاس والمرقشيتا ( اشابة من النحاس تشبه الذهب ) فهناك المرقشيتا الذهبي ، والمرقشيتا الفضي والطلق الجمستي ( الدولوميت ) - والزنجار ( كبريتات النحاس ) والزنجفر ( كبريتيد الزئبق ) والإسفيداج ، وحامض الأترج ( حامض الليمونيك ) والإثمد ( كبريتيد الأنتيمون ) وحجر جهنم ( نترات الفضة ) ، والسليماني ( كلوريد الزئبق ) وزيت الزاج ، والنيلج ، والسناج ، وماء النار أو الماء المحلل ( حمض النتريك ) والكحول والزاج الأزرق ( كبريتات النحاسيك ) وحجر الفلاسفة أو الكبريت الأحمر أو الزنجفر . كذلك لا بد ان يعرف ما كانوا يسمونه « التدابير » بمعنى العمليات أو التجارب الكيميائية كالترجيح ( التركيز ) والتحليل أو الحل ، والتشويه ، والتشميع ( أو تليين الشيء حتى يصير كالشمع ) والتكليس ( الأكسدة ) والإلغام والملغمة ، والإقامة ( التصليد ) ، والتبييض ( أو قصر الألوان ) والعقد ( أي تحضير المركبات الأكثر تعقيدا ) والتبخير ، والتصفية ، والمزج ، والسحق ، والتكرير ، والتخمير ، والتنقير ( أو التنقية ) . وعليه أن يلم بالموازين التي استعملها العرب من مثقال ، ودرهم ، ودانق ، وقيراط ، وأوقية ، ورطل وحبة ، وكيف أن علم الميزان عند جابر والرازي ، ما هو الا ما نسميه الآن قانون الأوزان المتكافئة . ولا شك ان « جابر » في مقدمة العلماء الذين أجروا التجارب على أساس علمي ، هو الأساس الذي نسير عليه الآن في المعامل والمختبرات ، وكان يقول « ان المعرفة لا تحصل إلا بها » ، وطلب من الذين يعنون بالعلوم الطبيعية الا يحاولوا عمل شيء مستحيل أو عديم النفع ، وعليهم أن يعرفوا السبب في اجراء التجربة وان يفهموا التعليمات جيدا ، وطالبهم بالصبر والتأني في استنتاج النتائج . ويؤكد جابر في كتابه التجريد « ان كمال الصنعة العمل والتجربة ، فمن لم يعمل ولم يجرب لم يظفر بشيء أبدا » ، ولا مراء في أن جابر من مؤسسي المنهج التجريبي . مواد حضرها العملاقان وبعد قرن من زمان جابر ، جاء كيميائي العرب الثاني ، وهو أبو بكر الرازي ، الذي أوضح مناهجه في كتابه « سر الأسرار » فكان يبتدئ بوصف المواد التي يشتغل بها ثم يصف الطريقة التي يتبعها في تحضير المركبات . وقد وصف الرازي أكثر من عشرين جهازا ، منها الزجاجي ، ومنها المعدني . لقد حضر جابر حامض النيتريك وكان يسميه الماء المحلل أو الماء الحاد ، وذلك بتقطير ملح البارود مع الشب والزاج القبرصي ( كبريتات الحديد ) وكان الشب بمثابة عامل وسيط . وبالتقطير البطيء في حمام ملحى يمكن فصل حامض النيتريك عن كبريتات البوتاسيوم . كما حضر حامض الكوردوريك وكان يعرف باسم روح الملح وكان ممزوجا بحامض النتريك ، وقد سموا هذا المزيج « ماء الذهب » أو « الماء الملكي » لأنه يذيب ملك المعادن وهو الذهب ، وقد حضره جابر بتقطير مخلوط من ملح الطعام والزاج الأخضر أو الزاج القبرصي ، ووصف الحامض بأنه نوع من المياه الحادة التي تذيب المعادن ، والزاج الأخضر هو بلورات كبريتات الحديدوز . يقول : يجمع كلس البيض ( أكسيد الكلسيوم ) مع النوشادر ( كلوريد الأمنيوم ) في برنية ( إناء فخار ) وثيقة ، ويركب عليها انبيق ، ويوثق الوصل ، فان النشادر يقطر وقد اكتسب كلس قشر البيض حدة وحرافة . وكذلك حضر الرازي حامض الكبريتيك وسماه « زيت الزاج » . وبذلك عرف جابر والرازي الأحماض العضوية من خليك ، وليمونيك ، وطرطريك ، كما ميزا بين الأحماض والقلوبات ، وقالا بأنها تتعامل مع بعضها بعضا لتنتج الأملاح . وحضرا من مركبات النحاس ، الزاج الأزرق ( الزاج القبرصي ) ، وهو كبريتات النحاسيك وخلات النحاسيك أو الزنجار ، والماء الذهبي أي كبريتيد النحاسيك ( مادة براقة تستعمل في الكتابة ) وكلس النحاس ( اكسيد النحاس الأحمر ) . ومن مركبات الرصاص حضر الكيميائيون العرب الاسرنج الأحمر أو « السلقون » وهو ثاني اكسيد الرصاص الذي يستعمل في الدهان . والمرتك الأصفر وهو أول اكسيد الرصاص ، ولونه أصفر ، والإسفيداج أو كربونات الرصاص القاعدية . ومن مركبات الحديد ، حضر العرب الزاج الأخضر ( كبريتات الحديدوز ) ، والقلقطار ( ثالث اكسيد الحديديك ) ، ومن مركبات الزئبق عرفوا السليماني ( ثاني كلوريد الزئبق ) ، والزنجفر ( كبريتيد الزئبق ) والراسب الأحمر ( أكسيد الزئبق ) ، كما حضر جابر ما نسميه كلوريد الزئبق بغلي الزئبق مع الملح العادي . ومن مركبات الزرنيخ عرف العرب الرهج ( كبريتيد الزرنيخ ) وكلس الزرنيخ ( اكسيد الزنيخ ) ، والزرنيخ الأخضر ، والزرنيخ الأحمر وعرفوا كثيرا من مركبات البوتاسيوم والصوديوم ، وبينوا أوجه الشبه بين الكبريت والزرنيخ مما جعلهم يسمونهما بالتوأمين ، فكلاهما يتسامى بالتسخين ، ويتشابه اكسيداهما ، ولهما رائحة نفاذة ، كما أن ظاهرة التأصل معروفة في كليهما . ولقد عرف الكيميائيون العرب طريقة فصل الذهب عن الفضة بوساطة حامض النتريك ، والحصول على الزرنيخ والإثمد من كبريتيدهما وزاولوا ما يسمى الآن بالكيمياء الصيدلية وقالوا بزيادة المعادن في الوزن بعملية التكليس أو التاكسد ، وعرفوا ان النار يطفئها انعدام الهواء ، ووصفوا علم الميزان الذي يقابل ما نسميه « الأوزان المتكافئة » . كما عرفوا الاختزال . واستخدموا ثاني اكسيد المنجنيز في صناعة الزجاج ، وان النحاس يكسب اللهب لونا أزرق إلى الخضرة وصنعوا الإشابات أو السبائك المعدنية ، وعرفوا التكليس ( أي تسخين المعدن ) حتى يتحول إلى مادة بيضاء تشبه الكلس . وقد ميز جابر والرازي بين المحلول الحقيقي وغيره من حالات ذوبان المواد الصلبة في السوائل من معلقات وغرويات . وتحدثا عن طرق استخلاص الذهب وعلاقة ذلك بحجر الفلاسفة ، والواقع انه لم يكن في الأمر سحر ولا شعوذة انما هو استخلاص للذهب من خاماته بالملغمة . نقطة تحول في العصر الوسيط ولا شك انه يمكن الربط بين مراحل الفكر العلمي عند الإغريق ، ثم